فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ: الْفَرْضُ خَيْرٌ مِنْ التَّطَوُّعِ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ، وَحُكْمُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي أَصْلِ التَّخْيِيرِ، ثُمَّ يَتَفَاضَلَا فِيهِ؟ قُلْنَا: الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، فَصَارَ فِيهِ وَصْفٌ مِنْ النَّفْلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: تَقْدِيمُهُ أَوْ فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ الْإِطْعَامِ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الصَّوْمُ خَيْرٌ مِنْ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْفِطْرُ أَفْضَلُ، وَلِعُلَمَائِنَا مِثْلُهُ، وَلَهُمْ قَوْلٌ ثَالِثٌ: إنَّ الْفِطْرَ فِي الْغَزْوِ أَفْضَلُ؛ وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ} .
وَصَحَّ أَنَّهُ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَأْخُذُونَ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْفِطْرَ فِي الْغَزْوِ أَفْضَلُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {إنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا} "."
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ؛ وَأَمَّا فِطْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ"أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: {إنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْتَظِرُونَ فِطْرَك، فَأَفْطَرَ} ."