وهذه اللفظة من تراكم الدلالة بمكان، لاسيما إذا علمنا أنَّ لها قراءة أّخرى بالدال المهملة (كدب) . والكدب (( البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث كأنه دم قد اثر في قميصه ) ). فإن هذه القراءة ناظرة إلى معنى مضاف يشع من استعمال (كذب) في هذا السياق الكاذب المفترى فيه، فهي تشير إلى قلة الدم وانتظام لصوقه بالقميص، فيوحي بالتدبير والتفكير وتدخل الإنسان فيه، فضلا عن ان الكذب هنا يرمز إلى ان الدم قد علا ظاهر القميص من دون ان يتخلله إلى الباطن، وهذا يعززه قوله (على قميصه) ، ومن ثم يكون الدم قد لامس القميص أول الأمر من ظاهره، وهذا خلاف إذا ما كان الدم من دم يوسف بعد أكل الذئب إياه؛ فجاء استعمال هذا اللفظ مناسبا لمقتضيات الحدث والسياق الاجتماعي الذي يشغله الكذب.
(خَرَق)
الخَرْق: القطع والتجاوز.
وجاء في كلام الله تعالى في سياق الرد على من جعل لله سبحانه البنين والبنات، يقول عز من قائل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} .
استعمل الخرق في هذه الآية للدلالة على الكذب والقول الباطل المخالف للواقع ومقتضيات العقل والإدراك الحقيقي؛ ذلك ان الخرق يختلف عن الخلق في ان الخلق (( فعل الشيء بتقدير ورفق ) )، على حين يكون الخرق فسادا، وهو بعيد عن التدبر والتفكر، فهؤلاء (( حكموا بذلك على سبيل الخرق ) )و الافتعال والاختلاق والإفساد.
وعلى الرغم من انهم جعلوا الخرق بمعنى الاختلاق والكذب، إلاَّ أنَّ السياق القرآني يلوِّن الخرق أنه أعلى درجات الكذب واشدها، ذلك أنه قد استعمله في زعمهم ان لله سبحانه بنات وبنينا.