كثيرا ما يفسر الخشوع بالخضوع. غير أن بينهما فرقا شائقا، فالخشوع من الخضوع (( إلا أنَّ الخضوع في البدن، وهو الإقرار بالاستخدام، والخشوع في البدن، والصوت، والبصر ) ). وخص الخشوع بالكلام، ومارافقه الخوف من دون تكلف، أما الخضوع فلا يلازمه الخوف وقد يتكلفه الإنسان، وكلاهما فعل قلبي، على أن الخشوع إلى القلب أقرب، ولا يكون إلا بإيمان صادق بعظمة من يخشع له. وليس لي إلا الخشوع والخضوع أمام هذا التفريق الدلالي الكبير الذي يحكي عظمة لغة القرآن.
وقد استعمل القرآن الكريم (الخشوع) مع الصوت مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: {وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} . ومن معانيها في هذا السياق الأخروي الذي يؤذن بالانتهاء، السكون والذل وخفوت، أو إخفاء ٍ الأصوات إبان هذا المشهد المهيب.
ويستفاد من سياق استعمالها الدلالة على حسن الصوت، فضلا عن إشارتها إلى التكلم بكلام مخصوص، كلام تعبدي، كأنه التسبيح أو التكبير، أو التهليل، أو كله معا، أو هو الدعاء والضراعة في أوج حالات الشد الدعائي التي يكون فيها الصوت حزينا مشحونا بالتفاؤل. ويتواضع الكلام في حضرة رنة الروح والجوارح الدعائية.
وتخشع إشارة هذا الاستعمال إلى حد تصل معه إلى تصوير القرآن الكريم لهذه الأصوات أو الكلمات وكأنها اغرورقت بالدموع، فهي سابحة بلون الدمع وتأخذ هيأته، أي أن خشوع الصوت يرمز إلى البكاء والتجاوب الروحي مع ما يقال، فضلا عن تشخيص الأصوات تشخيصا فنيا، بتصويرها أُناسا خاشعين؛ فإن هذه الأصوات ليست محض تصويتات لسانية إنما هي صدى حشر تجاوبي دعائي قلبي؛ ذلك أن القلب هو مركز الخشوع كله، فلما يخشع القلب تخشع الجوارح كلها، ويليق بالصوت عندئذ أن يأتي خاشعا راكعا ساجدا متأملا في الآفاق ... والأنفس.
(خضوع الصوت)
الخضوع: الذل والتطامن، والتوصيت لا سيما لينه، وربما دل على صوت مخصوص بالحرب، أو على غبارها.