ونحو ذلك ما قال جرير لذي الرمة: هل لك أن تهاجيني؟، فقال: لا، إن حرمك قد هتكتهن الأشعار فما فيهن مرتع.
قال شاعر:
أو كلّما طنّ الذّباب زجرته ... إنّ الذّباب إذا عليّ كريم
وقيل لنصيب: ألا تهجو فلانا وقد حرمك، فقال: إنما كان ينبغي أن أهجو نفسي حيث سألته، فقيل: ويحك قد هجوته بأشد هجاء؟ قال أبو علي بن عروس الشيرازي:
ومتى هجيت فقد مدحت لقد غلا ... سوم البعوضة إن رماها الصائد
وقال عبد الله بن خلف:
دناءة عرضك حصن منيع ... يقيك إذا شاء منك الضّبيع
فقل لعدوّك ما تشتهي ... وأنت الرفيع المنيع الوضيع
من لا يخاف لكونه ممتنعا بغيره
قيل: وقف جدي على سطح فمر به ذئب فأقبل الجدي يشتمه، فقال الذئب: لست تشتمني وإنما يشتمني المكان الذي تحصّنت به.
قال منصور بن باذان:
لو كنت أجسر أن أقولا ... لشفيت من نفسي الغليلا
لكن لساني صارم ... ملئت مضاربه فلولا
وقال آخر:
وما جهلت مكان الآمريك بذا ... يا من هويت ولكن في فيّ ماء
إجابة من عابك تعريضا بما عابك به
كتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: لست أعرف طريقا للمعروف أحزن ولا أوعر من طريقه إليك لأنه ينضاف إلى حسب دنيء ولسان بذيء وجهل قد ملك عنانك، فكتب إليه أبو العيناء في أسفل رقعته:
وأنت رعاك الله فينا فإنّما ... مدحت بفضل ضعفه فيك يوجد
فعدّوه أبلغ من الأول.
قال ابن مكرم لأبي العيناء: يا مخنّث، فقال: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه.
وقال ابن ثوابة لرجل: يا مأبون، فأنشد:
كلانا يرى الجوزاء يا جمل إن بدت ... ونجم الثريّا والمزار بعيد
وقال رجل لآخر: يا دعيّ، فقال:
عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد
وقال رجل لآخر: يا ابن الفاعلة، فقال له ذاك: يا ابن الصالحة، أكذب حتى أكذب، وعلى هذا المعنى قال:
ثالبني عمرو فثالبته ... فأثم المثلوب والثالب
قلت له خيرا وقال الخنى ... كلّ على صاحبه كاذب
وقال رجل لشاعر: إنك تغتاب المحصنات، فقال: إذا لا بأس على عيالك منّي.
تعريضات عن الأجوبة في الذمّ بالنثر والنظم
لما قال كعب الأشتر لزياد الأعجم:
وأقلف صلى بعد ما كان أمة ... يرى ذاك في دين المجوس حلالا
فقال زياد:
لا جزيت أمه خيرا ... فقد أخبرته أني أقلف
ولما قال جرير لابن الرقاع:
يقصر باع العامليّ عن العلا ... ولكنّ أير العامليّ طويل
قال ابن الرقاع:
أأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت أمرؤ لم تدر كيف تقول
فقال: لم أدر كيف أقول.