والضمير في قوله: {لَوْ تَزَيَّلُوا} عائد إلى الفريقين المؤمنين والمشركين؛ أي: لو يتميز المؤمنون عن المشركين، وتفرَّقوا عنهم، وخرجوا من بين أظهرهم {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ} ؛ أي: من أهل مكة {عَذَابًا أَلِيمًا} بالقتل والأسر والقهر؛ أي: لعذَّبنا كفار مكة بتسليط المؤمنين عليهم بقتلهم، وسبي ذراريهم.
وقرأ الجمهور: {لَوْ تَزَيَّلُوا} ، وقرأ ابن أبي عبلة وابن مقسم وأبو حيوة وابن عون: {لو تزايلوا} بوزن تفاعلوا، والتزايل: التباين.
26 -والظرف في قوله: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد، قصّة إذ ألقى الذين كفروا من أهل مكة {فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ} ؛ أي: الأنفة والتكبر، من سمي من كذا حمية إذا أنف منه، والجار والمجرور: إما متعلق بالجعل على أنه بمعنى الإلقاء، أو بمحذوف هو مفعول ثان على أنه بمعنى التصيير؛ أي: جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} بدل من {الْحَمِيَّةَ} ؛ أي: حمية الملة الجاهلية، وهي ما كانت عليه قبل البعثة، أو الحميَّة الناشئة من الجاهلية التي تمنع إذعان الحق، قال الزهري: حميتهم أنفسهم من الإقرار بالرسالة للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ، والاستفتاح ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أو منعهم من دخول مكة، وقال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبنائنا وإخواننا، ثم يدخلون علينا، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزّى، لا يدخلون علينا! فهذه حميَّة الجاهلية التي دخلت في قلوبهم.
{فَأَنْزَلَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} معطوف على {جَعَلَ} .