روى أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي في آخرين عن أنس قال: لمّا كان يوم الحديبية .. هبط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من جبل التنعيم، التنعيم: موضع بين مكة وسرف، فدعا عليهم، فأخذوا، فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ ...} إلخ.
وروى أحمد عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنهما قال: كنّا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان عليّ بن أبي طالب، وسهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعليّ رضي الله عنه:"اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ": فأخذ سهيل بيده، وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم، اكتب في قضيّتنا ما نعرف قال:"اكتب باسمك اللهم"وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة، فأمسك سهيل بن عمرو بيده، وقال لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيّتنا ما نعرف، فقال:"اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله"، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًا، عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"هل جئتم في عهد أحد؟ وهل جعل لكم أحد أمانًا؟"فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فأنزل الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} الآية.
{وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} ؛ أي: بأعمالكم وأعمالهم، بصيرًا لا يخفى عليه شيء منها، وهو مجازيكم، ومجازيهم بها.
وقرأ الجمهور: {بِمَا تَعْمَلُونَ} على الخطاب؛ أي: من مقاتلتكم وهزمكم إياهم أولًا طاعة لرسوله، وكفّكم عنهم ثانيًا؛ لتعظيم بيته الحرام، وصيانة أهل الإِسلام. {بَصِيرًا} ؛ أي: عالمًا لا يخفى عليه شيء، فيجازيكم بذلك، وقرأ أبو عمرو: بالياء، وهو تهديد للكفار.