{مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ} أي: ما كنت يا محمد تعلم ما هي الكتابة لأنك من قوم أُميين لا يعرفونها، ولا تعرف ما هو الإيمان حتى تكون قد أخذت ما جئتهم به عمن كان يعلم ذلك أهل الكتاب، وهو كقوله تعالي: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} - روى هذا المعنى عن ابن عباس فإنه لم يكن قبل بعثته وتنبيئه يعلم أنه سيكون رسولًا، وكذلك لم يكن على دراية ومعرفة بالملائكة والعالم العلوى: وما أطلعه الله عليه وعلمه إياه بعد النبوة من الشرائع والأحكام، وهذا لا ينفى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مؤمنًا بربه قبل النبوة لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتعبد في الغار كما روى أنه قال للراهب بحيرا في أثناء رحلته إلى الشام حين استحلفه الراهب باللات والعزى، قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم:"لا تسألنى بهما فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما". وقد ثبت أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يسجد لصنم ولا أشرك باللهِ. ولا زنى ولا شرب الخمر، ولا شهد ما كانوا يجتمعون عليه ويسمرون فيه، ويأتون ما يباح وما يحرم، قال - صلى الله عليه وسلم:"لما نشأت بُغضت إليّ الأوثان وبُغض إلي الشعر ولم أهم بشئ مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمنى الله منهما ثم لم أَعُد".
وهذا شأن كل الأنبياء فقد اصطفاهم ربهم واختارهم وما عرفوا بشرك أو كفر قبل النبوة وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء.
{وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} أي: ولكن جعلنا القرآن الكريم وأنزلناه نورًا ونبراسًا نضئُ به الطريق لعبادنا ليكونوا على بينة من أمرهم، ونوجد ونخلق به الهداية فيمن نريد هدايته من عبادنا فنجعله راشدًا مهديًا وذلك وفق اختيار العبد وصرف نفسه نحو الاهتداء بكتاب ربه والاهتداء بما جاء به.