وفضل الله في الآخرة بلا حساب ، وبلا حدود ولا قيود. فأما رزقه لعباده في الأرض فهو مقيد محدود ؛ لما يعلمه سبحانه من أن هؤلاء البشر لا يطيقون في الأرض - أن يتفتح عليهم فيض الله غير المحدود:
{ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ، ولكن ينزل بقدر ما يشاء. إنه بعباده خبير بصير} ..
وهذا يصور نزارة ما في هذه الحياة الدنيا من أرزاق مهما كثرت بالقياس إلى ما في الآخرة من فيض غزير. فالله يعلم أن عباده ، هؤلاء البشر ، لا يطيقون الغنى إلا بقدر ، وأنه لو بسط لهم في الرزق من نوع ما يبسط في الآخرة لبغوا وطغوا. إنهم صغار لا يملكون التوازن. ضعاف لا يحتملون إلا إلى حد. والله بعباده خبير بصير. ومن ثم جعل رزقهم في هذه الأرض مقدرا محدوداً ، بقدر ما يطيقون. واستبقى فيضه المبسوط لمن ينجحون في بلاء الأرض ، ويجتازون امتحانها ، ويصلون إلى الدار الباقية بسلام.
ليتلقوا فيض الله المذخور لهم بلا حدود ولا قيود.
{وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا ، وينشر رحمته ، وهو الولي الحميد} ..
وهذه لمسة أخرى كذلك تذكرهم بجانب من فضل الله على عباده في الأرض. وقد غاب عنهم الغيث ، وانقطع عنهم المطر ، ووقفوا عاجزين عن سبب الحياة الأول.. الماء.. وأدركهم اليأس والقنوط. ثم ينزل الله الغيث ، ويسعفهم بالمطر ، وينشر رحمته ، فتحيا الأرض ، ويخضر اليابس ، وينبت البذر ، ويترعرع النبات ، ويلطف الجو ، وتنطلق الحياة ، ويدب النشاط ، وتنفرج الأسارير ، وتتفتح القلوب ، وينبض الأمل ، ويفيض الرجاء.. وما بين القنوط والرحمة إلا لحظات. تتفتح فيها أبواب الرحمة. فتتفتح أبواب السماء بالماء.. {وهو الولي الحميد} .. وهو النصير والكافل المحمود الذات والصفات..