والرسول الوارد ذكره في الآية والذي هو المشهد الثالث من المشاهد هو على ما قاله جمهور المفسرين: «الملك الذي كان ينزل على النبي صلّى الله عليه وسلم» . واستعمال تعبير «فيوحي إليهم» بالنسبة إليه يلهم أن اتصال الملك بالنبي صلّى الله عليه وسلم هو كذلك اتصال روحي أو قلبي. وقد ذكر هذا بصراحة في آيات سورة الشعراء هذه: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) ، وفي آية سورة البقرة هذه مع صراحة باسم الملك: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) [97] .
ولعل الفرق بين المشهدين الأول والثالث هو أن النبي صلّى الله عليه وسلم لا يشعر في الأول بملقن منفصل عن ذاتيته لما ينقذف في قلبه من وحي الله في حين أنه يشعر بذلك في المشهد الثالث.
أما المشهد الثاني وهو: مِنْ وَراءِ حِجابٍ فالمستلهم من العبارة أن النبي صلّى الله عليه وسلم يسمع كلاما مفهوما يلقى عليه فيعيه دون أن يرى من يلقيه مع شعوره أنه الله عز وجل. وهو على كل حال اتصال خارجي وليس باطنيا وقلبيا، ومن ذلك على ما هو المتبادر ما أخبرت به آيات سورة الأعراف والنمل والقصص وطه، من الكلام الرباني الذي كلّم به موسى عليه السلام على ما مرّ تفسيره.
ونحن إذ نشرح هذا إنما نفعل بالنسبة للعبارات الواردة، أما فهم حقيقة هذا الاتصال وحقيقة الشعور به وإدراكهما فهما في الحقيقة خصيصان بالذين يصطفيهم الله تعالى لوحيه وصلته وكلامه. وهما بالنسبة لغيرهم حقيقة إيمانية يجب الإيمان بها لأنها مما أخبر به هؤلاء المصطفون، وهم صادقون فيما أخبروا به وقد عبروا عنه بأمر الله ووحيه بما يمكن أن تتسع له الألفاظ التي يتفاهم البشر بها، وأما كنه الأمر فهو سرّ متصل بسرّ واجب الوجود وأنبيائه الذي يعجز العقل الإنساني عن إدراكه مع ما يقوم عليه من الدلائل المتنوعة التي لا ينكرها إلّا المكابرون.