الْهُرْمُزَانُ: إنَّ مَثَلَهَا وَمَثَلَ مَنْ فِيهَا مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَرِجْلَانِ ، فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسِ ، وَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ ، وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتْ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ ، وَالرَّأْسُ كِسْرَى وَالْجَنَاحُ الْوَاحِدُ قَيْصَرُ ، وَالْآخَرُ فَارِسُ.
فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إلَى كِسْرَى وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ: مَا أَخْطَأْت قَطُّ ؛ إذَا حَزَبَنِي أَمْرٌ شَاوَرْت قَوْمِي ، فَفَعَلْت الَّذِي يَرَوْنَ ، فَإِنْ أَصَبْت فَهُمْ الْمُصِيبُونَ ، وَإِنْ أَخْطَأْت فَهُمْ الْمُخْطِئُونَ ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ إطْنَابٍ فِيهِ.
الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى: {وَاَلَّذِينَ إذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرَ اللَّهُ الِانْتِصَارَ فِي الْبَغْيِ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ ، وَذَكَرَ الْعَفْوَ عَنْ الْجُرْمِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ ؛ فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا رَافِعًا لِلْآخَرِ ، وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إلَى حَالَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَاغِي مُعْلِنًا بِالْفُجُورِ ، وَقِحًا فِي الْجُمْهُورِ ، مُؤْذِيًا لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، فَيَكُونَ الِانْتِقَامُ مِنْهُ أَفْضَلَ.
وَفِي مِثْلِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: يُكْرَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُذِلُّوا أَنْفُسَهُمْ ، فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ الْفُسَّاقُ.