قرأنا في تاريخ الغزوات مثلاً أن أحد الصحابة يعود من الحرب حزيناً لأنه أفلت منه خالد أو عمرو أو عكرمة ويقول: كنتُ على وشك أنْ أقتله لولا كذا وكذا، وهو لا يدري أن الله يدخره لنصرة دينه وإعلاء كلمته، فالله تعالى كان يدخر هؤلاء وكان يُعدهم ويجتبيهم، ثم بعد فترة هداهم للإسلام، فكانوا هم حَمَلة رايته وقادة مسيرته.
وقبل أن نترك هذه الآية ينبغي أن نشير إلى الفتنة التي أثارها بعض المستشرقين حول قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ..} [الشورى: 13] يقولون: ما الضرورة إذن لمجيء الرسالة الآخرة ما دامت الوصية لجميع الرسل واحدة، ثانياً: قالوا بوجود تعارض بين الآيات، لأن الله تعالى قال في موضع آخر:
{لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ..} [المائدة: 48] .
إذن: فلكل نبي شريعة، وعند محمد أشياء غير ما وصى به.
وللرد على الشبهة الأولى نقول: إن الحق سبحانه وتعالى له أشياء ضرورية، ألزم بها جميع الرسل في موكب الرسالات، فهم جميعاً متفقون في هذه الأمور، أولها التوحيد وعدم الشرك بالله، ثم الإيمان بالكتب السماوية وبالرسل، ثم الإيمان بالبعث.
فهذا قَدْر مشترك عند جميع الرسل لا يتغير، لأنها ثوابت الدين وأعمدته، وهي المرادة في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ..} [الشورى: 13] .
فالوصية هنا بالأشياء الضرورية والثابتة في كل الأديان السماوية، فالتوحيد دعوة كل رسل الله، والصلاة وجدناها في كل الشرائع السابقة، وكذلك الزكاة، لذلك لا يمكن أبداً أنْ تخلو رسالة من الرسالات من هذين الأمرين.
ففي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أسكن من ذريته بوادٍ غير ذي زرع علَّل ذلك بقوله:
{رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ} [إبراهيم: 37] ويقول تعالى في نفس القصة:
{وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26] .
وفي قصة سيدنا شعيب عليه السلام يقول له قومه:
{قَالُواْ ياشُعَيْبُ أَصَلَاوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ..} [هود: 87] .