ويؤخذ من هذه الآية أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطي أنواع الوحي الثلاثة، وهو أيضاً مقتضى الغرض من مساق هذه الآيات.
والروح: ما به حياة الإنسان، وقد تقدم عند قوله تعالى: {ويسألونك عن الرّوح} في سورة الإسراء (85) .
وأطلق الروح هنا مجازاً على الشريعة التي بها اهتداء النفوس إلى ما يعود عليهم بالخير في حياتهم الأولى وحياتهم الثانية، شبهت هداية عقولهم بعد الضلالة بحلول الروح في الجسد فيصير حَيّاً بعد أن كان جُثّة.
ومعنى {من أمرنا} مما استأثرنا بخلقه وحجبناه عن النّاس فالأمر المضاف إلى الله بمعنى الشأن العظيم، كقولهم: أمِرَ أمْر فلان، أي شأنه، وقوله تعالى: {بإذن ربّهم من كل أمر} [القدر: 4] .
والمراد بالروح من أمر الله: ما أوحي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الإرشاد والهداية سواء كان بتلقين كلام معين مأمور بإبلاغه إلى النّاس بلفظه دون تغيّر وهو الوحي القرآني المقصود منه أمران: الهداية والإعجاز، أم كان غير مقيد بذلك بل الرّسول مأمور بتبليغ المعنى دون اللّفظ وهو ما يكون بكلام غير مقصود به الإعجاز، أو بإلقاء المعنى إلى الرّسول بمشافهة المَلككِ، وللرّسول في هذا أن يتصرف من ألفاظ ما أُوحي إليه بما يريد التعبير به أو برؤيا المنام أو بالإلقاء في النّفس كما تقدم.
واختتام هذه السورة بهذه الآية مع افتتاحها بقوله: {كذلك أوحينا إليك} [الشورى: 7] الآية فيه محسن ردّ العجز على الصدر.
وجملة {ما كنت تدري ما الكتاب} في موضع الحال من ضمير {أوحينا} أي أوحينا إليك في حال انتفاء علمك بالكتاب والإيمان، أي أفضنا عليك موهبة الوحي في حال خلوّك عن علم الكتاب وعِلم الإيمان.