والذي يُقطع به أنه عليه السلام لم يكن منسوباً إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحداً من أمته ومخاطَباً بكل شريعته ؛ بل شريعته مستقِلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم جلّ وعز وأنه صلى الله عليه وسلم كان مؤمناً بالله عز وجل ، ولا سجد لصنم ، ولا أشرك بالله ، ولا زنى ولا شرب الخمر ، ولا شهد السامر ولا حضر حِلف المطر ولا حلْفَ المطيبِين ؛ بل نزهه الله وصانه عن ذلك.
فإن قيل: فقد روى عثمان بن أبي شيبة حديثاً بسنده عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم ، فسمع مَلَكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه ، فقال الآخر: كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام فلم يشهدهم بعد؟ فالجواب أن هذا حديث أنكره الإمام أحمد بن حنبل جدّاً وقال: هذا موضوع أو شبيه بالموضوع.
وقال الدَّارَقُطْني: إن عثمان وَهِمَ في إسناده ، والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه ، والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله:"بُغِّضت إليّ الأصنام"وقوله"في قصة بحِيرا حين استحلف النبيّ صلى الله عليه وسلم باللاّت والعزّى إذ لَقِيَه بالشام في سَفْرتِه مع عمه أبي طالب وهو صبي ، ورأى فيه علامات النبوّة فاختبره بذلك ؛ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"لا تسألني بهما فواللّهِ ما أبغضت شيئاً قطُّ بُغْضَهُمَا"فقال له بَحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، فقال:"سل عما بدا لك"وكذلك المعروف من سيرته عليه السلام وتوفيقِ الله إياه له أنه كان قبل نبوّته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج ، وكان يقف هو بعرفة ، لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام."