وقال بعضُهُمْ لأبي جعفر المنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتّى كأنّك لم تَسْمَعْ بالعفوِ! فقال: لأن بني مروان لم تَبْلَ رِمَمُهُمْ، وآلُ أبي طالب لم تُغْمدْ سُيوفُهم، ونَحْنُ بينَ أقوامٍ قَدْ رأوْنا بالأمْسِ سُوقةً واليومَ خُلفاء، فليس تتمهَّد الهيبةُ في صُدورهم إلا باطّراحِ العفوِ واستعمالِ العُقوبة ...
التبجح بقسوة القلب وقلة الرحمة
كان محمدُ بن عبد الملك الزيّات وزيرُ المعتصم والواثق قد اتّخذ تنُّوراً من حديد، وأطرافُ مساميره قائمةٌ مثل رؤوس المَسالّ، في أيّام وزارته وكان يعذِّب فيه المصادرين وأربابَ الدواوين المطلوبين بالأموال، فيجِدون لذلك أشدَّ الألم، ولم يسبقْه أحدٌ إلى هذا النوع من العقاب، وكان إذا قال له أحدٌ منهم: أيّها الوزير، ارْحمني، يقول له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، فلما
اعتقله المتوكّل أمرَ بإدْخاله في التَّنُّور وقيَّده بخمسةَ عشر رِطلاً من الحديد، فقال: يا أمير المؤمنين، ارحمني، فقال له: الرحمة خَوَرٌ في الطبيعة، كما كان يقول للناس. ثم يتمثل:
فَلا تَجْزَعَنْ مِنْ سيرةٍ أنْتَ سِرْتَها
ووقع مَرَّةً في قِصة رجل: دعني من ذكر الرحمة والإشْفاق، فما هُما إلا للنِّسوان والصبيان ... .
وقال المتنبي:
يَدْخلُ صبرُ المرءِ في مَدْحِه ... ويَدْخُلُ الإشْفاقُ في ثَلْبِهِ
الثَّلْبُ: الذَّمُّ والعاب، يقول: إنّ الصَّبْرَ ممّا يُمدح به الإنسان والإشفاقَ مما يُعاب به. انتهى انتهى {الذخائر والعبقريات، للبرقوقي} ...