قيل هم محمودون؛ لأن من انتصر فأخذ بحقه ولم يجاوز في ذلك ما أمر اللَّه به فلم يُسْرِفْ في القتل إن كان ولي دم ولا في قصاص فهو مطيع للَّهِ عزَّ وجلَّ، وكل مطيع محمود، وكذلك من اجتنب المعاصي فهو محمود، ودليل ذلك قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31) .
وقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40)
فالأولى (سيئة) في اللفظ والمعنى، والثانية (سيئة) في اللفظ، عاملها ليس
بمسيء، ولكنها سميت سيئة لأنها مجازاة لسوء فإنما يجازي السوء بمثله.
والمجازاة به غيْرُ سيّئة توجب ذَنْباً، وَإنَّمَا قيل لها سيئة ليعلم أَن الجَارِحَ
والجاني يُقْتَص مِنْهُ بمقدار جنايته.
وهذا مثل قوله تعالى: (فَمِن اعتدى عليكم فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) تأويله كافئوه بمثله، وعلى هذا كلام العرب.
وقوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(43)
أي الصابر يؤتى بصبره ثواباً فكل من زادت رغبته في الثواب فهو أتمُّ
عَزْم، وقد قال بعض أهل اللغة إن معنى قوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) أن منه القصاصَ والعفوَ.
فالعفو أحسنه (1) .
وقوله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ(45)
(يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) .
يعني ينظرون إلى النار من طرف خَفِي، قال بعضهم إنهم يُحْشرونَ