بالدلالة الحالية، ففي قوله (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) يقول الزمخشري: كان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون إن رب محمد يضرب المثل بالذباب والعنكبوت ويضحكون من ذلك، فلذلك قال (ما يعقلها إلا العالمون) أي لا يعقل صحتها وحسنها وفائدتها إلا هم، لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق للمعاني المحتجبة في الأستار حتى تميزها وتكشف عنها ونصورها للإفهام، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد.
المبحث الثالث
خلق الإنسان:
ذكر القرآن قصة خلق الإنسان بدقة دون أن يكون في قراءتها أي مقولة مشوبة بالخطأ، ويعبر عن ذلك بعبارات بسيطة، يسهل على فهم الإنسان إدراكها وتتفق تماماً مع ما سيكتشف بعد ذلك بكثير.
وإذا كانت قصة خلق الإنسان مذكورة في عشرات من الآيات القرآنية دون أي ترتيب واضح، فإن القرآن يعرض مستعينا بمقولات ينصب كل منها على نقطة أو عدة نقاط خاصة، ولا بد من تجميع هذه الآيات حتى تكون لدينا فكرة شاملة، فلذلك ييسر التعليق مثلما فعلنا بالنسبة للموضوعات الأخرى التي عالجناها.
ومن الآيات التي ذكرت أطوار خلق الإنسان منذ تكوينه الأول إلى تمام خلقه قوله تعالى: ... (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) .