ويقول الفخر الرازي في تفسير قول الله تعالى (فيه شفاء للناس) : فيه قولان: القول الأول (وهو الصحيح) إنه صفة العسل. فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس، وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟ قلنا: إن الله تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس، ولكل داء وفي كل حال، بل لما كان شفاء للبعض، ومن بعض الأداء، صلح بأن يوصف بأنه شفاء ... والقول الثاني (وهو قول مجاهد) : إن القرآن شفاء للناس، وعلى هذا فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانها) ، ثم ابتدأ وقال (فيه شفاء للناس) أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة، مثل هذا الذي في قصة النحل.
ويرد الرازي على هذا القول أن الضمير في قوله: (فيه شفاء للناس) يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله (شراب مختلف ألوانه) وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق، فهو غير مناسب.
وابن كثير يرجح أيضاً المقصود بالضمير في قول الله (فيه شفاء للناس) على أنه العسل، ولا يرجح بأنه ضمير عائد على القرآن، وإن كان هذا القول صحيحاً في نفسه، لكنه ليس هو الظاهر هاهنا في سياق هذه الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل.
وهناك قصة تفيد أن معنى شفاء ليس المقصود به الشفاء من جميع الأمراض قال أبو عمرو الداني سمعت عبد العزيز بن علي المالكي يقول دخل أبو فرج غلام ابن شنبود على عضد الدولة زائراً فقال له يا أبا الفرج إن الله يقول (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس) وترى العسل
يأكله المحرور فيتأذى به والله صادق في قوله قال أصلح الله الملك إن الله لم يقل فيه الشفاء للناس بالألف واللام اللذين يدخلان لاستيفاء الجنس وإنما ذكره منكرا فمعناه فيه شفاء لبعض الناس دون بعض.