ومن الجدير بالذكر هنا انه كانت انعدام الريح أشد ما يخشاه البحارة القدامى فهناك مناطق تسكن فيها الريح لأسابيع عدة فقد أخطأ بعض البحارة التقدير والتوفيق إذ دخلوا منطقة السكون التي تحرس البحر الأطلنطي للسفن القادمة من الجنوب فكان على السفينة البقاء عدة أسابيع في هذا الجزء القريب
من خط الاستواء وهو الحصة المألوفة لكل سفينة شراعية وكذلك الأمر في بحر سراجوسا وكان البحارة القدماء ينحرفون عن هذه المناطق التي تجعلهم يعتقدون أن سفينتهم لن تعود للموانئ التي خلفوها.
لذا كان سكون الريح أو اضطراب الرياح من عدة جهات يعد شدة على البحارة فحالهم يختلف عمن كان في البحر وقد عبر القرآن الكريم بلفظ يناسب حالهم حين أفرد لفظ (الريح) وهذا من دقة ألفاظ القرآن الكريم وبلاغته في تعبيره المناسب كل حسب حاله.
ولا يختلف الأمر كذلك مع سليمان ففي قوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) وقال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) . وقوله تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ) .
وإذا رجعنا إلى أقوال المفسرين في الآية الأولى نجدهم يقولون معنى ذلك سخرنا لسليمان الريح عاصفة سريعة تسير بإرادته إلى أرض الشام المباركة وهذه الريح تجري مسخرة لسليمان تقطع به المسافات الشاسعة في ساعات معدودة. وفي الآية الثانية تحدد تلك المسافات في سيرها (ولسليمان) أي وسخرنا له (الريح غدوها شهر ورواحها شهر) أي سيرها من الصباح إلى الظهر مسيرة شهر للسائر المجد، ومن الظهر إلى الغروب مسيرة شهر فتقطع به مسيرة شهرين في نهار واحد.