أما الوجه الثاني: أن سير الجبال للفناء يوم القيامة، يحصل عند خراب العالم وإهلاك جميع الخلائق وهذا شيء لا يراه أحد من البشر أو نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) أي الملائكة. فما معنى قوله إذن (وترى الجبال تحسبها جامدة) .؟
ويمكن أن يرد على ذلك أيضاً أنه يمكن أن يكون ذلك في بداية المشاهد الكونية يوم القيامة التي أخبرنا بها الله تعالى قبل فناء الإنسان إذا كان المقصود بالرؤيا في قوله تعالى (وترى) بصرية كما ذكر ابن عاشور فيما ذكره أو هي رؤيا علمية كما ذكر الشعراوي من أن ترى وردت في الكتاب الكريم كما في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) . ولم يكن الرسول في ذلك الوقت موجوداً وكذلك في قوله تعالى في سورة الكهف ولم يكن الرسول موجوداً في ذلك الحين (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ) وكان السياق قبل ذلك قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقّ) مما يدل على إحضار السامع لتلك المشاهد وتأثيرها في النفس وكأنه يشاهد تلك المشاهد الآن.
ومما يؤكد ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) وهناك احتجاج أخر وهو في قوله تعالى (تحسبها) الواردة في الآية بمعنى ظن لا تتفق مع ثبوت كل شيء يوم القيامة الذي لا شيء فيه
سوى اليقين الذي لا شك فيه ولا ظنون بأي حال من الأحوال وكل شيء أمامك يقين فأنت ترى الجنة وترى النار فالحسبان في الدنيا واليقين في الآخرة.