وقد ذكر الرازي أن كونها قرارا وذلك لوجوه الأول: أنه دحاها وسواها للاستقرار. الثاني: أنه تعالى جعلها متوسطة في الصلابة والرخاوة. الثالث: أنه تعالى جعلها كثيفة غبراء ليستقر عليها النور، ولو كانت لطيفة لم استقر النور عليها، ولو لم يستقر النور عليها لصارت من شدة بردها بحيث تموت الحيوانات. الرابع: انه سبحانه جعل الشمس بسبب ميل مدارها من منطقة مدار منطقة الكل بحيث تبعد تارة وتقرب أخرى من سمت الرأس ولولا ذلك لما خلقت الفصول ولما حصلت المنافع. الخامس: انه تعالى جعلها ساكنة.
أما أبن عاشور وسيد قطب فقد فسرا هذه الآية تفسيراً موافقاً لما وصل إليه العلم الحديث فقد ذكر الأول أن المعنى جعل الأرض ثابتة قارة غير مضطربة. وهذا تدبير عجيب ولا يدرك تمام هذا الصنع العجيب إلا عند العلم بأن هذه الأرض سابحة في الفضاء متحركة في كل لحظة وهي مع ذلك قارة فيما يبدوا لسكانها فهذا تدبير أعجب، وفيه مع ذلك رحمة ونعمة، ولولا ذلك لكان الناس متزلزلين مضطربين ولكانت أشغالهم معنتة لهم. وقال أيضاً في موضوع آخر عند تفسيره لسورة غافر أن المعنى يحتمل: أنه جعلها قارة غير مائدة ولا مضطربة فلم تكن مثل كرة الهواء مضطربة متحركة ولو لم تكن قارة لكان الناس في عناء من اضطرابها وتزلزلها، وقد يفضي ذلك بأكثرهم إلى الهلاك. ويحتمل أن المعنى جعل الأرض ذات قرار، أي قراراً لكم أي مستقراً لكم أي خلقها على كيفية تلائم الاستقرار عليها بأن جعلها يابسة غير سائلة ولو شاء لجعل سطح الأرض سيالا كالزئبق أو كالعَجَل فلا يزال الإنسان سائحاً فيها يطفو تارة ويسبح أخرى فلا يكاد يبقى على تلك الحالة: كما في بعض المناطق المسماة (شط الجريد) فإن فيها مسافات إذا مشت فيها القوافل ساخت في الأرض فلا يعثر عليها ... فكانت هذه الأرض دالة على عظيم قدرة الله.