وهكذا نجد مدلولات كثيرة لحقيقة (وجعل لكم الأرض مهدا) وهذه المدلولات الحديثة تضاف إلى المدلولات التي كان يدركها المخاطبون بهذا القرآن أول مرة.
وإن كان المقصود بالمهد اسماً توصف به الأرض لأن الناس يتمهدونها ويسكنون فيها كالمهد الذي يعرف فسميت به وفي الآية حينئذ تشبيه بليغ لأسباب منهم من قال لأن الأرض تحتضن الناس كما يحتفظ المهد بالصبي فالأرض ممهدة لكل ما يحتاج إليه الناس للعيش وعلى التشبيه الذي ذكره الأستاذ الفاضل الدكتور أنيس الراوي يكون التشبيه أيضاً بحركة المهد وبهذا فالتشبيه هنا يدل في قوله مهداً على معنى أخر لم يدل عليه لفظ الفراش وهي حركة الأرض ولم يكن يعلم السابقون أن الأرض تتحرك لذا فقد يكون عدم تفسيرهم المهد بهذا المعنى لأنه لا يمكنهم التفسير بمعانٍ تخالف ما يعلمون في زمانهم من أن الأرض ساكنة مستقرة كما فسروا قوله تعالى (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً) والذي سنتناوله لاحقاً.
أما في قوله تعالى (والأرض فرشناها فنعم الماهدون) فقد ذكر حنفي أحمد أن الفرش معناه نشر الشيء وبسطه، وتمهيده معناه جعل سطحه وسطا بين اللين والصلابة إضافة إلى هذه المعاني التي ذكرها حنفي أحمد هناك معانٍ أخرى ذكرناها لكل من اللفظتين (مهد) و (فرش) تدل على عدم ترادفهما ترادفاً تاماً وإنما كل منهما يعبر عن معاني دقيقة ومعجزة تدل على عظمة الخالق وإعجاز القرآن العلمي واللغوي. وقد جاءت هذه الآيات بأسلوبها الإنكاري كما في قوله تعالى (ألم نجعل الأرض مهاداً) لتقرير هذه المعاني والإنكار على المشركين عنادهم وبإسلوبها الخبري الذي أخبرنا عن هذه الحقائق العلمية العميقة لتؤكد صدق القرآن وأنه من عند الله عز وجل.
بسط الأرض: قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً)
البسط في اللغة: قال الخليل:البَسْطُ نقيض القَبْض. والبَسيطةُ من الأرض كالبساط من المتَاع، وجمعه بُسُط.