فقد قرأ أهل الكوفة مهداً ذهبوا إلى المصدر فيكون تقدير الكلام الذي جعل لكم الأرض ممهودة مهداً فيكفي بقوله مهداً من ممهودة والعرب تضع المصادر في مواضع الموصوف فتقول رجل رضي أي مرضي ورجل صوم ويمكن أن يكون مهدا اسما يوصف به الأرض لأن الناس يتمهدونها ويسكنونها فهي كالمهد الذي يعرف فسميت به وفي الآية حينئذ تشبيه بليغ وقال قوم هما لغتان مثل الريش والرياش أو ذات مهد وهو مصدر سمي به المفعول وقرئ مهادا وهو أسم لما يمهد كالفراش أو جمع مهد أي جعل كل موضع منها مهدا لكل واحد منكم. وقرأ عامة قراء المدينة والبصرة مهاداً بكسر الميم من المهاد وإلحاق
ألف فيه بعد الهاء وكذلك عملهم ذلك في كل القرآن. ويرى الرازي أن المهاد مصدر في قوله: (ألم نجعل الأرض مهادا) من وجوه:
الأول: أن يكون المراد الممهود، وهذا من باب تسميه المفعول بمصدر كما ذكرنا. والثاني أن تكون الأرض وصفت بهذا المصدر كما يقال زيد جود والثالث: أن يكون المراد ذات مهاد ويرى أبو عبيد: المهاد اسم والمهد مصدر وقال بعضهم: هو جمع مهد ككعب وكعاب والمشهور في جمعه مهود.
والصواب في هاتين القراءتين عند الطبري أن يقال إنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار مشهورتان فبأيهما قرأ القارئ فمصيب الصواب فيهما. أما علاقة هذه القراءات بالتفسير العلمي الحديث لو قرئت الآية بالمهد أو المهاد على أنها مصدر مهد فإنها سوف تدل على المبالغة وزيادة تلك الصفة سواء كان المقصود بالمصدر المفعول لأن العرب حينما تعدل من المفعول إلى المصدر إنما تريد الزيادة في تلك الصفة أو أن يكون المصدر باقياً على مصدريته غير منقول مبالغة في الوصف أو أنها ذات مهد كل هذه المعاني تطابق ما توصل إليه العلم الحديث كما وجدنا وسيظل مدلول هذا النص يتسع ويتعمق ويتكّشّف عن آفاق وامديات كلما اتسعت المعرفة وتقدم العلم.