أما عدم تسميته جري الشمس (مشياً) لأن الجري يدل على انسياح الشيء كما ذكر ابن فارس فهو أدق في الوصف وكما جرت عادة تسمية العرب للأشياء فقد أطلق الجري على الماء وعلى السفينة وعلى الشمس وغيرها. وأما من ناحية دلالة الفعل الزمنية (تجري) فقد جاءت بصيغة المضارع وهذه الصيغة تدل على الاستمرارية وهي مطابقة لحركات الشمس المستمرة إلى الحين دون توقف والى أجل يعلمه الله.
وفي قوله (لمستقر لها) نجد أن اللام في العربية لها عدة معانٍ منها أن تأتي بمعنى (إلى) مثل قولك (ذهبت للمنزل) أي إلى المنزل، أو لانتهاء الغاية مثل قوله تعالى: (كل يجري لأجل مسمى) فإذا عددنا اللام في قولنا (لمستقر) أو لانتهاء الغاية، يكون معنى الآية الكريمة أن الشمس تجري نحو مكان معين سوف تستقر عنده في النهاية. وهذا على من فسر الآية أن الشمس تجري مع أسرتها في الفضاء نحو برج النسر الواقع على هدف خاص وقد فسر قسمٌ من المفسرين القدماء كما بينا مستقر الشمس في يوم القيامة.
وتأتي اللام أيضاً بمعنى في كما فسر بعضهم بهذا المعنى عدداً من الآيات كما في قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي في يوم القيامة.
فإذا عددنا اللام في كلمة (لمستقر) بمعنى (في) يكون معنى الآية أن الشمس تدور في مستقرٍ لها، أي في مكان مستقر لها وهذا ما بينه العلم الحديث فهي تدور حول نفسها في ستة وعشرين يوماً.
وقد قرئ: تجري إلى مستقر لها وقرئ (لا مستقرٍ لها) فلا تنفي الجنس وبناء مستقر على الفتح فيقتضي انتفاء كل مستقر وذلك في الدنيا التي هي تجري دائماً فيها لا تستقر. وقرأ أبن أبي عبلة (لا مستقر) بلا التي بمعنى ليس ومستقر اسمها ولها خبرها. وهذا معلوم كما جاء في العلم أن الشمس تدور بدون توقف حول محورها وحركتها السنوية وحول المجرة. وكما قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ)