من الكواكب من الكون بمثابة لبنة من بناء أسقف أو قبة أو جدران تحيط بك، ثم شد هذه الكواكب بعضها ببعض بتأثير الجاذبية الأرضية أو ما يماثلها من الجاذبيات الأخرى، كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينهما مما يتماسك به وقد أوضح جل شأنه الفرق بين الجاذبية السماوية وبين الجاذبية الأرضية، ولا يمكن أن يصل إلى لطائف الإشارات، و دقائق المعاني إلا أرباب الفصاحة والبيان. والذي يتأمل قوله تعالى: (خلق السموات والأرض بغير عمد ترونها) وقوله (رفع السموات بغير عمد) ففي قوله تعالى (بغير عمد ترونها) في خلق السماء ورفعها لطيفة علمية دقيقة إذ أنه لو قال (بغير عمد) فحسب، كان نفياً مطلقاً للعمد، مرئية وغير مرئية، والنفي المطلق يخالف الواقع الذي علم الله أنه سيهدي إليه خلقه وعباده بعد حين، فكان من الإعجاز الدقيق أن يقيد الله نفي العمد من الخلق والرفع بقوله (( ترونها ) )والضمير المنصوب في (ترونها) يرجع أولاً إلى أقرب مذكور وهو (عمد) فيكون المعنى (بغير عمد مرئية) أو (بعمد غير مرئية) أي من فطرتها وتكوينها ألا ترى للنظر، والفعل المضارع في اللغة يشمل الحال والاستقبال أو هو الحال المستمر؛ لأن القرآن يخاطب به الناس في كل عصر ... وإذا أعيد إلى السماء كان المعنى أن السماء ترونها مخلوقة بغير عمد وتكون العمد ما يعهده الناس في أبنية الأرض. ونفيها بهذا المعنى عن السماء المرفوعة أيضاً أمر عجيب لا يقدر عليه إلا الله. وكلا الوجهين مفهوم من التعبير القرآني طبق اللغة وإن كان الأولى في اللغة هو الوجه الأول الذي يحوي الإعجاز العلمي.
وقد ذكر النحاس في كتابه معاني القرآن أن أبا جعفر قال (والقولان يرجعان إلى معنى واحد لأن من قال أنها بعمد إنما يريد بالعمد قدرة الله جل وعز التي يمسك بها السموات والأرض) .