9 -لا يصح لنا أن نترك ظاهر القرآن الكريم ونتجه إلى التأويل، إلا أن يكون الظاهر يقبل التأويل، وتكون حقائق العلم الثابتة تقتضي الأخذ بالتأويل الذي يتحمله القرآن الكريم من غير تعسف ولا الخروج بالألفاظ إلى غير معانيها.
10 -وقد اختلف المفسرون في مسألة هل يجوز حمل المعنى على الحقيقة والمجاز في آن واحد فقسم من المفسرين لم يجز ذلك وقال: لا نعدل عن الحقيقية إلى المجاز إلا إذا قامت القرائن تمنع من حقيقة اللفظ، وتحمل على مجازه 1) وجوز القسم الآخر حمل المعنى على الحقيقة والمجاز في آن
واحد وقال إن الكلمة اللغوية في القرآن لها دلالات حقيقة ومجازية، إذا كانت هناك حقيقة علمية تؤيد إحدى هذه الدلالات فلا بأس، ولكن ينبغي ألا نرفض الدلالات الأخرى.
وقد أشار بعض القدماء إلى جواز ذلك مثل الزركشي في البرهان كذلك جوز ابن عاشور حمل المعنى على الحقيقة والمجاز واستشهد بعدد من الآيات وذكر أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد فسر معناها على الحقيقة والمجاز ومن الأمثلة التي ساقها ابن عاشور قو له تعالى: {إن تَستَغفِر لَهٌم سَبعِينَ مَرّةً فَلَنَ يغفرَ الله لَهٌم} فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لعمر بن الخطاب لما قال له لا تصلي على عبد الله ابن أبي سلول فإنه منافق وقد نهاك الله عن أن تستغفر للمنافقين، فقال النبي (خيرني ربي وسأزيد على السبعين) فحمل قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم على التخيير مع أن ظاهره انه مستعمل على التسوية، وحمل اسم العدد على دلالته الصريحة دون كونه كناية عن الكثرة كما هو قرينة السياق لما كان الأمر واسم العدد صالحين لحملها عليهما فكان الحمل تأويلاً ناشئا عن الاحتياط وقد ساق ابن عاشور أمثلة أخرى لم نذكرها اختصاراً تدل على جواز حمل المعنى على الحقيقة والمجاز معا وقد وضع عنوان يدل على هذا في المقدمة التاسعة وهي إن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها.