ثم أخبر عن اللوم الإنساني والكرم الرباني بقوله تعالى: {لاَّ يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِن دُعَآءِ الْخَيْر} [فصلت: 49] يشير إلى أن الإنسان مجبول على طلب الخير بحيث لا تتطرق إليه الساعة، فبهذه الخصلة بلغ من بلغ رتبة خير البرية، وبها بلغ من بلغ دركة شر البرية وذلك؛ لأنه لما خلق لحمل الأمانة التي أشفق منها البرية {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: 72] ، وهي عبارة عن الفيض الإلهي بلا واسطة وذلك فيض لا نهاية له، فلحملها احتاج الإنسان إلى طلب غير متناه، فصرف بعضهم هذا الطلب في قبول الفيض الإلهي وأعرض عن غيره متأخر البرية، ومن صرف هذا الطلب في تحصيل الدنيا وزينتها وشهواتها واستيفاء لذاتها فما شئتم من الطلب، وصار شر البرية، {وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ} [فصلت: 49] وهو فطامه عن مألوفات نفسه وهواه {فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ} [فصلت: 49] لا يرجو زوال البلايا والمحن لعدم علمه بربه وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إلى الله؛ ليدفع عنه ذلك، {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} [فصلت: 50] ؛ أي: لئن كشفنا عنه البلاء وأوحينا إليه الرضاء لدعاه استحقاقاً واتفاقاً، ولا يعتقد ذلك هنا فضلاً وإنعاماً؛ لأنه محجوب بأنانيته عن هويتنا؛ بل يرى ذلك من جلادته وكفايته أو من طالعه وجده {لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي} [فصلت: 50] من حسن استعدادي وسعادة طالعي.