قَوْله تَعَالَى: {ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: ذَكَرَ اللَّهُ الْعَدُوَّ فَأَخْبَرَ بِالْحِيلَةِ فِيهِ حَتَّى تَزُولَ عَدَاوَتُهُ وَيَصِيرَ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ ، فَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الْآيَةَ.
قَالَ: وَأَنْتَ رُبَّمَا لَقِيتَ بَعْضَ مَنْ يَنْطَوِي لَك عَلَى عَدَاوَةٍ وَضِغْنٍ فَتَبْدَأُهُ بِالسَّلَامِ أَوْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِهِ فَيَلِينُ لَك قَلْبُهُ وَيُسْلِمُ لَك صَدْرَهُ.
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ الْحَاسِدَ
فَعَلِمَ أَنْ لَا حِيلَةَ عِنْدَنَا فِيهِ وَلَا فِي اسْتِمْلَاكِ سَخِيمَتِهِ وَاسْتِخْرَاجِ ضَغِينَتِهِ ، فَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} إلَى قَوْلِهِ: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} فَأَمَرَ بِالتَّعَوُّذِ مِنْهُ حِينَ عَلِمَ أَنْ لَا حِيلَةَ عِنْدَنَا فِي رِضَاهُ.
قَوْله تَعَالَى -: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} الْآيَةَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اُخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: {إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَوْلَى أَنَّهَا عِنْدَ آخِرِ الْآيَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ السَّلَفَ لَمَّا اخْتَلَفُوا كَانَ فِعْلُهُ بِالْآخِرِ مِنْهُمَا أَوْلَى ؛ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهَا بِأُخْرَاهُمَا وَاخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِهَا بِأُولَاهُمَا.