وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ قال النسفي: (أي: أنكم كنتم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش، وما كان استتاركم ذلك خيفة أن يشهد عليكم جوارحكم، لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلا) . وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ أي: ولكنّكم إنّما استترتم لظنّكم أنّ الله لا يعلم الخفايا من أعمالكم
وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ أي: وذلك الظن الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ أي: أهلككم .. فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ في الدنيا والآخرة.
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: فإن يصبروا لم ينفعهم الصبر، ولم ينفكّوا به من الثواء في النار وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: وإن يطلبوا الرضا فما هم من المرضيين، أو إن يسألوا العتبى - وهو الرّجوع إلى ما يحبّون جزعا مما هم فيه - لم يعتبوا أي: لم يعطوا العتبى، أي: الرجوع إلى الدنيا، ولم يجابوا إليها. وقال ابن كثير في
الآية: (أي: سواء عليهم صبروا أم لم يصبروا في النار لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها، وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارا فما لهم أعذار ولا تقال لهم عثرات ... ) .
كلمة في السياق:
رأينا أن سياق السورة سار كما يلي:
عرض علينا موقف الكافرين من القرآن، ومن دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ثم ردّ على هذا الموقف: 1 - بعرض مضمون الدعوة. 2 - بما يترتب على هذا الموقف من آثار بديهية البطلان. 3 - ثم بإنذارهم بعذاب الدنيا. 4 - ثم بإنذارهم عذاب الآخرة.
وبعد هذا البيان الذي رأيناه في المجموعات الأربع، والذي لو وجد عقل أو إنصاف أو سماع تدبر لترتّب على ذلك انزجار، إلا أنّه حيث لا عقل، ولا إنصاف، ولا سماع تدبّر، فإنّ هذا كله لم يفد فيهم، ومن ثمّ تأتي المجموعة الخامسة لتعرض علينا بشكل غير مباشر عدم استفادتهم وسببها، وإصرارهم على حرب القرآن، واستئهالهم العقوبات بذلك، وندم بعضهم حيث لا ينفع الندم. فلنر المجموعة الخامسة ..