قالوا ذلك وهم يعلمون صدق رسول الله وأمانته وحُسْن سيرته فيهم، فقالوا: ساحر والرد على هذا سهل، فلو أن محمداً سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم كما سحرهم، وتنتهي المسألة؟ وقال: شاعر وكذبوا أيضاً، لأنهم أمة كلام وبيانٍ، ويعلمون جيداً ما الشعر، وما جرَّبوا على محمد شيئاً من هذا.
وفي نهاية الأمر اعترفوا بصدق القرآن وبلاغته وإعجازه، لكن اعترضوا على أنْ ينزل على محمد بالذات، فقالوا:
{وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
فالآفة ليستْ في القرآن، فالقرآن لا غبار عليه، الآفة في نزوله على محمد وهو فقير من عامة القوم، ليس سيِّداً من ساداتهم من عتبة وشيبة وغيرهما، وبذلك أقروا وشهدوا للقرآن بأنه كتاب كامل يستوعب كلَّ وجوه الخير وكمالات الخلْق اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، فاعتراضهم إذن على شخص رسول الله لا على القرآن.
لكنهم لم ينتبهوا إلى أنَّ شهادتهم للقرآن وإقرارهم بإعجازه أَوْلى عند رسول الله من شهادتكم له هو؛ لأن الذين آمنوا بالله وآمنوا بوحي الله كانوا أقربَ لرسول الله ممَّنْ أنكروه.
فالرومان لم يُصدِّقوا محمداً، لكنهم يؤمنون بكتاب ويؤمنون بوحي وبرسل، وفارس لم يكُنْ عندها هذا الإيمان الذين عند الرومان، فكانت قلوبُ رسول الله والمؤمنين تميل إلى الرومان، لأنهم أهلُ كتاب ويؤمنون بالله؛ لأن عصبية رسول الله لربه فوق عصبيته لنفسه، ألاَ ترى أن المسلمين حزنوا لما غُلِبَتْ الروم وفرحوا لما انتصروا بعد ذلك؟
{فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ}
الحق سبحانه وتعالى لم يترك عذاب الذنوب إلى الآخرة حتى لا يستشري أهلُ الباطل في باطلهم، لكن يُعجِّل الله لأهل الباطل لوناً من العذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة، وعذاب الآخرة أشد؛ لذلك قال تعالى مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم:
{فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: 77] .
ثم يقول الحق سبحانه:
{ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ...} .
{ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ}