واعلم أن معنى الهداية لدى أهل السنة والجماعة هو الدلالة فقط وصلت إلى المطلوب أو لم تصل ، قال تعالى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) الآية 53 من سورة الشورى الآنية ، لأن اللّه تعالى أنزل الآيات وأرسل الرسل وأعطاهم العقل وأمرهم بالهداية ومكنهم منها وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذرا لحصول بغيتهم بحصول موجبها ومقتضيها ، ولا وجه لقول بعضهم اشتراط التوصل إلى المطلوب أخذا من قوله هديته فاهتدى بمعنى حصول البغية كما تقول ردعته فارتدع لما تقدم ، كما لا وجه لاستدلالهم في هذه الآية على أن الإيمان باختيار العبد على الاستقلال بناء على قولهم في قوله تعالى (فَهَدَيْناهُمْ) بكونه دل على نصب الأدلة وإزاحة العلة ، وقوله (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى) يدل على أنهم أنفسهم آثروه ، لأن الإيمان لا يكون إلا بتوفيق اللّه تعالى ، ولأن لفظ (فَاسْتَحَبُّوا) يشعر بأن قدرة اللّه تعالى هي المؤثرة ، وأن لقدرة العبد مدخلا ما ، وهو الجزء الاختياري للإنسان الذي يجعل له رغبة ورضا وشوقا ما ، في فعل ما يقدم عليه ، على أن المحبة مطلقا ليست اختيارية محضة بالاتفاق وإيثار العمى وهو الاستحباب المأخوذ من معنى استحبوا ، وهو لا يكون إلا من الأفعال الاختيارية ، ومعنى كون المحبة ليست اختيارية انها بعد حصول ما تتوقف عليه من أمور اختيارية تكون بجذب الطبيعة من غير اختيار للشخص في ميل قلبه وارتباط هواه بمن يحبه ، فهي نفسها غير اختيارية باعتبار مقدماتها.
اختيارية بحسب ما تؤول إليه لأنها لا تكون إلا عن رغبة وميل ، ولذلك كلّفنا بمحبة اللّه تعالى ومحبة رسله صلوات اللّه عليهم وسلامه.
قال تعالى (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها) الآية 189 من الأعراف في ج 1 فقد جعل علّة ميلها كونها منه بما يدل على أن المحبة ميل روحاني طبيعي ، وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم: الأرواح جنود بجندة ما تعارف منها أتلف.