واحتج القائلون بقدم الأرواح بهذه الآية ، وبكل آية تشتمل على لفظ الرجوع ووجه الاستدلال ، أن لفظ الرجوع إنما يصدق لو كانت هذه الأرواح موجودة قبل الأجساد ، وكانت في حضرة جلال الله ثم تعلقت بالأبدان ، فعند انفصالها عن الأبدان يسمى ذلك رجوعاً وجوابه: أن هذا إن دل فإنما يدل على أن الأرواح كانت موجودة قبل الأبدان ، ولا يدل على قدم الأرواح.
ثم قال تعالى: {جنات عَدْنٍ} وهو بدل من قوله: {لَحُسْنَ مَئَابٍ} ثم قال: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب} وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
ذكروا في تأويل هذا اللفظ وجوهاً الأول: قال الفراء: معناه مفتحة لهم أبوابها ، والعرب تجعل الألف واللام خلفاً من الإضافة ، تقول العرب: مررت برجل حسن الوجه ، فالألف واللام في الوجه بدل من الإضافة والثاني: قال الزجاج: المعنى: مفتحة لهم الأبواب منها الثالث: قال صاحب"الكشاف" {الأبواب} بدل من الضمير ، وتقديره مفتحة هي الأبواب ، كقولك ضرب زيد اليد والرجل ، وهو من بدل الاشتمال.
المسألة الثانية:
قرئ: {جنات عَدْنٍ} مفتحة بالرفع على تقدير أن يكون قوله: {جنات عَدْنٍ} مبتدأ و {مُّفَتَّحَةً} خبره ، وكلاهما خبر مبتدأ محذوف ، أي هو جنات عدن مفتحة لهم.
المسألة الثالثة:
اعلم أنه تعالى وصف من أحوال أهل الجنة في هذه الآية أشياء الأول: أحوال مساكنهم ، فقوله: {جنات عَدْنٍ} يدل على أمرين أحدهما: كونها جنات وبساتين والثاني: كونها دائمة آمنة من الانقضاء.
وفي قوله: {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب} وجوه الأول: أن يكون المعنى أن الملائكة الموكلين بالجنان إذا رأوا صاحب الجنة فتحوا له أبوابها وحيوه بالسلام ، فيدخل كذلك محفوفاً بالملائكة على أعز حال وأجمل هيئة ، قال تعالى: {حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] .