وفي رواية الدارقطني"وَلَكِنَّ هَذا الْمالَ"؛ أي: وغيره من زينة الدنيا، كما قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة الكهف: 46] حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ"إشارة إلى أن سورة الدنيا حسنة مؤنقة للنفوس، لاهية كالبقلة الخضراء الحلوة، لكنها قد يحصل منها الضرر، فالعاقل لا يغتر بحسنها وزخرفها خشْيةً من ضررها وسمِّها، كما أوضح ذلك بقوله:"وإِنَّ
كُلَّ ما يُنْبِتُ الرَّبِيع"، ونسبة الإنبات إلى الربيع مجازي، والمنبت حقيقةً هو الله تعالى اختبار أو ابتلاء."
"يَقْتُلُ حَبَطا، أَوْ يُلِمُّ".
والحبط - بفتح الحاء المهملة، والباء الموحدة، وبالطاء المهملة: انتفاخ البطن من كثرة الأكل.
مَثَّلَ المنغمس في زهرة الدنيا بالدابة التي أصابت مرعى طيباً فلا زالت تأكل حتى امتلأ بطنها وانتفخ، فماتت، أو قاربَتْ أن تموت، ومع حصول الضرر والمحن من الدنيا لأهلها، كذلك يحصل لأهلها، جيل بعد جيل مزيد الرغبة فيها، وشدة المحبة لها لغلبة الهوى على العقل.
وقد قيل: من الرجز
وَآفَةُ الْعَقْلِ الْهَوَىْ فَمَنْ عَلا ... عَلَىْ هَواهُ عَقْلُهُ نالَ الْعُلا
وهذا قليلٌ في الناس، والأكثرون تغلب أهويتهم على عقولهم، فيميلون مع الدنيا فتميل معهم وبهم، ثم تميل عليهم.
ومن ثم قال بعض الحكماء: عجبت ممن يرى الدنيا، ويرى صَنِيْعها بأهلها، ثم يغتر بها.
ولقد أخبر الله تعالى عن شدة تعلق الإنسان بالدنيا وزهرتها بحيث تحول بينه وبين طاعة ربه، وذكره وشكره بقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [سورة العاديات: 6 - 8] ؛ الكنود: الكفور.
روى ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، ورواه عنهم عبد الرحمن وغيره، ورُوِيَ مرفوعاً من حديث أبي أمامة - رضي الله عنه -.
روى سعيد بن منصور، وابن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في"شعب الإيمان"عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [سورة العاديات: 6] قال: لكفور يعدد المصيبات وينسى النعم.