وروى الإمام أحمد في"الزهد"عن وهب بن منبه: أنَّ موسى عليه
السلام قال لبني إسرائيل:"ائتوني بخيركم رجلًا"، فأتوه برجل، قال:"أنت خير بني إسرائيل؟"قال:"كذلك يزعمون"، قال:"اذهب فائتني بشرهم"، قال: فذهب فجاء وليس معه أحد، فقال:"جئني بشرهم"، قال:"أنا ما أعلم من أحد منهم ما أعلم من نفسي"، قال:"أنت خيرهم".
* تنبيه هو خاتمة] لهذا الفصل: خيار هذه الأمة خير من خيار غيرهم، وأفضل من سوى النبيين لمزية هذه الأمة وفضلها لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران: 110] .
وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله قال: إنَّ خيار هذه الأمة خيار الأولين والآخرين، إنَّ من هذه الأمة رجالاً إن أحدهم ليخر ساجداً لا يرفع رأسه حتى يغفر له، ولمن خلفه فضلاً عليه.
وكان كعب يتحرى الصفوف المتأخرة رجاء أن يكون من أولئك.
فَصْلٌ
إنما سُميَ الصالحون والصديقون أخياراً وخياراً لفعلهم الخير، وإرادتهم إياه، وإيثارهم له على ما سواه.
والخير ضد الشر، وحقيقة الخير ما يحبه العبد ويختاره، ويرضاه ويحمده، أو يحب منه، ويحمد من فعله أو صفته.
والشر ما يكرهه العبد أو يكره منه.
فالخير والشر إما أن يعود أثرهما على المتصف بهما، أو يكون منه لغيره، فطالب الخير لنفسه وموصله إلى غيره من الأخيار لأنه من أهل الخير، وطالب الشر لنفسه أو مريده لغيره أو موصله إليه من الأشرار لأنه من أهل الشر، وأي عبد مات على إحدى المنزلتين فهو من أهلها، إلا أن الناس متفاوتون في الخير والشر على حسب ما قسم لهم وقدر لهم أو عليهم لقوله تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} [سورة الإسراء: 20] ، وقوله {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء: 35] .
وكل إنسان فهو لافي ما قدمه من خير أو شر - قل أو كثر؛ لقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [سورة الزلزلة: 7، 8] .
وكل عبد فلا يخلو من حركة أو سكون، وحركته إما في خير وإما في شر كما قيل: من الرجز