فقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنَّ علامة الله في من يريد - أي: يحب - من عباده أن يوفقهم للرغبة في الخير وأهله والعمل به، وعلامته في من لا يريد أن يمنعه ذلك، ويخذله عنه، أو يبعثه على الشر وفعله والرغبة في أهله.
فمن رغب في الشر ورغب عن] الخير وأعمال أهل الخير وأخلاقهم فهو من الأشرار.
روى الإمام أحمد في"الزهد"عن أبي شيخ قال: قال عيسى بن مريم عليهما السلام: يا صاحب العلم! لا تغتر بالله، ولا تغتر بالناس؛ فإن الغرة بالله تركك أمر الله، والغرة بالناس اتباع أهوائهم.
احذر من الله ما حذرك من نفسه، واحذر من الناس فتنتهم؛ فإن
الأشقياء لا يرغبون فيما سعد به الأخيار قبلهم فيبعدون عن الأمر الذي شقي به من كان قبلهم.
واعلم أن العبد لا يكون من خير الناس وهو يشهد الخيرية من نفسه.
قال الله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [سورة النجم: 32] .
قال القاضي ناصر الدين في تفسير قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [سورة النجم: 32: فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل.
روى مسلم، وغيره عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي بَرَّةَ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة - رضي الله عنها وعن أبويها: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن هذا الاسم؛ سُمِّيت بَرَّةَ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تُزكُّوْا أَنْفُسَكُمْ، اللهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ البِرِّ مِنْكُم"، فقالوا: بما نسميها؟ قال:"سَمُّوْهَا زيْنَب".
قال في"الكشاف": وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب والرياء، فأما من اعتقد أنَّ ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به الإعجاب والتمدح، لم يكن من المزكين أنفسهم لأن المسرة في الطاعة طاعة، وذكرها شكر، انتهى.
وهو حسن، غير أنه جعل النهي راجعاً إلى الإعجاب والرياء، والأولى أن يبقى على ظاهره من أنه نهي عن نفس التزكية.