ويستَقِرُّ الأتباعُ المقتحمون في دار العذاب، وبَعْدَ استقرارهم يفتِّشُونَ عن شركائهم فيها، ويتصوّرن أنّ الّذين كانوا يَعُدُّونَهُمْ أشراراً في الدنيا من الذين آمَنوا واتَّبَعُوا الرسول لاَ بُدَّ أنْ يكونوا معهم في دار العذاب، لكِنَّهُمْ لا يَرَوْنَهُم، كُلُّ هذا قَدْ طُوِي في النّصّ، لكن دلَّ عليه، ما جاء في السُّورَةِ من حكايَةٍ قولٍ قالوه بَعْدَ قولهم السّابق، فقال عزّ وجلّ: {وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبصار} [الآيات: 62 - 63] .
إنّهم بعْدَ البحث والتفتيش لا يَرَوْنَ في دار العذاب رجالاً كانوا يَعُدُّونهم في الحياة الدنيا من الأَشْرار، لكِنَّهُمْ آمَنُوا وصَلَحُوا واتَّبَعُوا الرسول.
فيذكرونَ احْتِمَالَيْن:
الاحتمال الأول: أنّهم كانُوا يستضْعِفُونَهُمْ في الدّنْيا، فيتَّخِذُونَهُم سِخْريّاً، أي: مُسْتَذَلِّين مُسَخّرِينَ، يُكَلَّفُونَ حَمْلَ الأعباء والأعمال الشاقّة، مع السُّخْرِيَة بِهِمْ، وهم لا يستحقون هذه الإِهانة، ومَا كان يَصِحُّ اتّخاذُهم كذلك، لأنَّهم عند ربّهم مُكْرَمُونَ بإيمانهم.
الاحتمال الثاني: أَنَّهُمْ مَوجُودُون معهم في دار العذاب، إلاَّ أنّ الأبصار زاغت عن رؤيتِهِمْ، لمَا في دار العذاب من سَمُومٌ ولَهَبٍ يَجْعَلُ الأبصار تزيغ فَلا تَرَى بعْضَ من هم في دار العذاب.
ويقف النَّصّ هنا، ويطوي تخاصماً يجري بين أهْلِ النار، فلا تعرض السورة من مضمونه شيئاً، لكنْ يدُلُّ على حَدَثِ التخاصُم قول الله عزّ وجلّ عقب البيان السابق: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار} [الآية: 64] .
وللذّهن أن يَنطَلِقَ في تَصْوِير ما يجري حولَهُ التخاصم، وأوّل ما يُدْرِكُهُ ما يكون بين الأتباع وقادتهم من تراشُقِ المسؤولية وتدافُعِها.
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) }