ثم قال تعالى: {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} أي: لا يعلمون أن الله إنما يفعل ذلك اختباراً وامتحاناً فيظنون أنه إنما وسع على قوم لفضلهم ومحبتهم ، وضيق على قوم لبغضهم ومقتهم.
ثم قال: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى} أي: ليس ما كسبتم من
الأموال والأولاد مما تقربكم إلى الله ، إنما يقرب من الله تعالى الإيمان والعمل الصالح ، فلا فائدة لكم في احتجاجكم أنكم أكثر أموالاً وأولاداً من الرسل.
وقوله: {إِلاَّ مَنْ آمَنَ} نصب الاستثناء.
وقال الزجاج: من في موضع نصب على البدل من الكاف والميم في تقربكم . وهو غلط لأن الغائب لا يبدل من المخاطب . لو قلت: رأيتك زيداً ، لم يجز . وهو معنى قول الفراء.
وأجاز الفراء أن تكون"من"في موضع رفع بمعنى ما هو إلا من آمن . وهو بعيد في المعنى ، وإنما وحد"التي"وقد تقدم ذكر أموال وأولاد لأنه على حذف ، والتقدير: وما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالتي تقربكم ، ثم حذف الأول لدلالة الثاني.
وقال الفراء: التي تكون للأموال والأولاد جميعاً .
ثم قال تعالى: {فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف بِمَا عَمِلُواْ} أي: إلا من آمن وعمل صالحاً وأنه تقربه أمواله وأولاده بطاعتهم لله في ذلك وأدائهم حق الله فيه دون أهل الكفر ، فيضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها وفي سبيل الله إلى سبع مائة ضعف.
وقال ابن زيد: إلا من آمن فلن تضره أمواله ولا أولاده في الدنيا ، وقرأ: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] . وقال: الحسنى: الجنة والزيادة: ما أعطاهم الله في الدنيا لا يحاسبهم كما يحاسب الكفار.
ثم قال تعالى: {وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ} أي: من العذاب ، ومعنى"زلفى"قربى ، قاله مجاهد وغيره.
قوله تعالى ذكره: {والذين يَسْعَوْنَ في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} إلى قوله: {عَلاَّمُ الغيوب} .