وَيُقَالُ: إِنَّ أَصْعَبَ الْأَحْوَالِ الْمُنْقَطِعَةِ: انْقِطَاعُ الْأَنْفَاسِ. فَإِنَّ أَرْبَابَهَا إِذَا صَعِدَ النَّفَسُ الْوَاحِدُ صَعَّدُوهُ إِلَى نَحْوِ مَحْبُوبِهِمْ، صَاعِدًا إِلَيْهِ، مُتَلَبِّسًا بِمَحَبَّتِهِ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ. فَإِذَا أَرَادُوا دَفْعَهُ لَمْ يَدْفَعُوهُ حَتَّى يُتْبِعُوهُ نَفَسًا آخَرَ مِثْلَهُ. فَكُلُّ أَنْفَاسِهِمْ بِاللَّهِ. وَإِلَى اللَّهِ، مُتَلَبِّسَةً بِمَحَبَّتِهِ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ وَالْأُنْسِ بِهِ. فَلَا يَفُوتُهُمْ نَفَسٌ مِنْ أَنْفَاسِهِمْ مَعَ اللَّهِ إِلَّا إِذَا غَلَبَهُمُ النَّوْمُ. وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ يَرَى فِي نَوْمِهِ: أَنَّهُ كَذَلِكَ لِالْتِبَاسِ رُوحِهِ وَقَلْبِهِ. فَيَحْفَظُ عَلَيْهِ أَوْقَاتَ نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ. وَلَا تُسْتَنْكَرُ هَذِهِ الْحَالُ. فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ إِذَا غَلَبَتْ عَلَى الْقَلْبِ وَمَلَكَتْهُ: أَوْجَبَتْ لَهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الْوَارِدَاتِ سَرِيعَةُ الزَّوَالِ. تَمُرُّ أَسْرَعَ مِنَ السَّحَابِ، وَيَنْقَضِي الْوَقْتُ بِمَا فِيهِ. فَلَا يَعُودُ عَلَيْكَ مِنْهُ إِلَّا أَثَرُهُ وَحُكْمُهُ. فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا يَعُودُ عَلَيْكَ مِنْ وَقْتِكَ. فَإِنَّهُ عَائِدٌ عَلَيْكَ لَا مَحَالَةَ. لِهَذَا يُقَالُ لِلسُّعَدَاءِ {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] وَيُقَالُ لِلْأَشْقِيَاءِ {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ} [غافر: 75] . انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...