ثُمَّ بَيَّنَ الشَّيْخُ السَّبَبَ فِي كَوْنِ هَذِهِ الْغَيْرَةِ قَاتِلَةً. فَقَالَ:
"فَإِنَّ الْوَقْتَ وَحِيُّ التَّقَضِّي"أَيْ سَرِيعُ الِانْقِضَاءِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ الْوَحَا الْوَحَا، الْعَجَلَ الْعَجَلَ، وَالْوَحْيُ الْإِعْلَامُ فِي خَفَاءٍ وَسُرْعَةٍ. وَيُقَالُ: جَاءَ فُلَانٌ وَحْيًا أَيْ مَجِيئًا سَرِيعًا.
فَالْوَقْتُ مُنْقَضٍ بِذَاتِهِ، مُنْصَرِمٌ بِنَفْسِهِ. فَمَنْ غَفَلَ عَنْ نَفْسِهِ تَصَرَّمَتْ أَوْقَاتُهُ، وَعَظُمَ فَوَاتُهُ. وَاشْتَدَّتْ حَسَرَاتُهُ. فَكَيْفَ حَالُهُ إِذَا عَلِمَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْفَوْتِ مِقْدَارَ مَا أَضَاعَ. وَطَلَبَ الرُّجْعَى فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِرْجَاعِ وَطَلَبِ تَنَاوُلِ الْفَائِتِ.
وَكَيْفَ يُرَدُّ الْأَمْسُ فِي الْيَوْمِ الْجَدِيدِ؟ {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 52] وَمُنِعَ مِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْتَضِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّ مَا اقْتَنَاهُ لَيْسَ مِمَّا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْتَنِيَهُ، وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهِيهِ.
فَيَا حَسَرَاتِ مَا إِلَى رَدِّ مِثْلِهِ ... سَبِيلٌ وَلَوْ رُدَّتْ لَهَانَ التَّحَسُّرُ
هِيَ الشَّهَوَاتُ اللَّاءِ كَانَتْ تَحَوَّلَتْ ... إِلَى حَسَرَاتٍ حِينَ عَزَّ التَّصَبُّرُ
فَلَوْ أَنَّهَا رُدَّتْ بِصَبْرٍ وَقُوَّةٍ ... تَحَوَّلْنَ لَذَّاتٍ وَذُو اللُّبِّ يُبْصِرُ