يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحِيلَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ حِينَ فَزِعُوا، فَلَا فَوْتَ، وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، فَقَالُوا آمَنَّا بِهِ
{وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} حِينَئِذٍ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَا كَانُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ ذَلِكَ يَكْفُرُونَ وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ» .
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنْيَا لِيَتُوبُوا» .
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنْ مَالٍ وَوَلَدٍ وَزَهْرَةِ الدُّنْيَا.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا تَمَنَّوْا حِينَ عَايَنُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَا عَايَنُوا، مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ تَمَنَّوْهُ، وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ: وَأَنَّى لَهُمْ تَنَاوُشُ ذَلِكَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَقَدْ كَفَرُوا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى مَا تَمَنَّوْهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ}
يَقُولُ فَعَلْنَا بِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ، فَحِلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ عِنْدَ نُزُولِ سَخَطِ اللَّهِ بِهِمْ، وَمُعَايَنَتِهِمْ بَأْسَهُ كَمَا فَعَلْنَا بِأَشْيَاعِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ كُفَّارِ الْأُمَمِ، فَلَمْ نَقْبَلْ مِنْهُمْ إِيمَانَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَمَا لَمْ نَقْبَلْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ ضُرَبَائِهِمْ.
وَالْأَشْيَاعُ: جَمْعُ شِيَعٍ، وَشِيَعٍ: جَمْعُ شِيعَةٍ، فَأَشْيَاعُ جَمْعُ الْجَمْعِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ}