والتَّوحيد الحقيقيّ الَّذى هو سببُ النَّجاة ومادَّة السّعادة فِي الدّار الآخرة ما بيَّنه الله تعالى وهَدانا فِي كتابه العزيز بقوله: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ} والقوم دائرون فِي تفسيره بين حَكَمَ وقَضَى ، وأَخْبَر وأَعْلَم ، وبَيَّن وعَرَفَ.
والتَّوْحِيدُ تَوْحِيدان: تَوْحِيد الرُّبوبيّة ، وتَوْحيد الإِلهِيّةِ ، فصاحبُ توحيدِ الرُّبوبيّة
يشهد قَيُّومِيَّة الربّ فوقَ عَرْشه يدبِّر أَمَر عِباده وَحْدَه ، فلا خالِقَ ولا رازق ، ولا مُعْطِىَ ولا مانعَ ولا مُميت ولا مُحْيِىَ ولا مُدَبِّر لأَمرِ المملكة ظاهراً وباطناً غيرُهُ ، فام شاءَ كان ، وما لم يشأْ لم يكن ، ولا تتحرّك ذَرّةٌ إِلاَّ بإِذنه ، ولا يجرِى حادثٌ إِلاَّ بمشيئته ، ولا تسقُط ورقةٌ إِلاَّ بِعلْمه ، ولا يَعْزُب عنه مِثْقَالُ ذَرَّة فِي السَّمَاوات ولا فِي الأَرْض ولا أَصْغَرُ من ذلك ولا أَكبَر إِلاَّ وقد أَحصاها عِلْمُه وأَحاطَتْ بها قُدْرَتُه ، ونَفَذت فيها مشيئتُه ، واقتضتها حِكْمَتُه.
وأَمَّا توحيدُ الإِلهية فهو أَن يجمع هَمَّهُ وقلبَهُ وعَزْمَه وإِرادتَه وحركاتِه على أَداءِ حقٍّه والقيام بعُبودِيَّتِه ، وأَنشد صاحبُ المنازل أَبياتاً ثلاثة ختم بها كتابه ولا أَدرِى هل هي له أَو لغيره:
*ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ * إِذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جاحدُ*
*تَوْحيدُ من ينطق عن نعته * عارِيَّةٌ أَبْطَلَها الواحِدُ*
*تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُه * ونَعْتُ من يَنْعَتُه لاحِدُ*