(والمعنى: إنهم جحدوا أن يكون القرآن من عند الله، وأن يكون لما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة) ولما كانت الحجج في المقطعين السابقين كافية، فإنّ نوعا آخر من الردّ يأتي هاهنا، ويبدأ الردّ بعرض مشهد من مشاهد يوم القيامة، يذكر فيه موقفهم الذليل يوم القيامة، إذ يتخاصمون ويتجادلون، قال تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: محبوسون يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ في الجدال، أي: يرد بعضهم على بعض القول في الجدال. قال النسفي: (أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسول الله صلّى الله عليه وسلم أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب) يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا منهم وهم قادتهم وسادتهم لَوْلا أَنْتُمْ أي: تصدوننا عن سبيل الله، وتدعوننا إلى الكفر لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ بالله ورسله وما جاءوا به
قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا من القادة والسادة لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أي: للأتباع أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ أنكروا أن يكونوا هم الصادّين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنّهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنّهم أتوا من قبل اختيارهم. قال ابن كثير:(أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من
أنّا دعوناكم فاتّبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الادلّة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك). بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ أي: بل كنتم كافرين باختياركم، وإيثاركم الضلال على الهدى، لا بقولنا وتسويلنا