وقال آخرون: لا نصلّي العصر إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت.
قال: فما عنّف واحداً من الفريقين.
وفي هذا من الفقه تصويب المجتهدين.
وقد مضى بيانه في"الأنبياء".
وكان سعد بن معاذ إذْ أصابه السهم دعا ربه فقال: اللّهُم إن كنت أبقيْتَ من حرب قريش فأبقني لها ؛ فإنه لا قوم أحب أن أجاهدهم من قوم كذّبوا رسولك وأخرجوه.
اللَّهُمَّ وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ، ولا تُمِتْني حتى تقرّ عيني في بني قُريظة.
وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغني أن سعد بن معاذ مَرّ بعائشة رضي الله عنها ونساءٍ معها في الأَطُم (فارع) ، وعليه دِرع مُقَلِّصة مشمرّ الكُمّين ، وبه أثر صفرة وهو يرتجز:
لَبِّثْ قليلاً يُدْرك الهَيْجَا جَمَلْ ...
لا بأس بالموت إذا حان الأَجَلْ
فقالت عائشة رضي الله عنها: لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا في أطرافه ؛ فأصيب في أَكْحَله.
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رجلاً أجمل من سعد ابن معاذ حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأصيب في أكحله ثم قال: اللهم إن كان حرب قُريظة لم يبق منه شيء فاقبضني إليك ، وإن كان قد بقيت منه بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه ؛ فلما حُكّم في بني قُريظة تُوُفِّيَ ؛ ففرح الناس وقالوا: نرجو أن يكون قد استجيبت دعوته.
التاسعة: ولما خرج المسلمون إلى بني قُريظة أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية عليّ بن أبي طالب ، واستخلف على المدينة ابن أمّ مَكْتوم ، ونهض عليّ وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونازلوهم ، فسمعوا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم ، فانصرف عليّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا رسول الله ، لا تبلغ إليهم ، وعَرّض له.
فقال له:"أظنك سمعت منهم شتمي."
لو رأوني لكفُّوا عن ذلك"ونهض إليهم فلما رأوه أمسكوا."