وقوله {ومنك ومن نوح} الخ هو من ذكر بعض أفراد العام للاهتمام بهم فإن هؤلاء المذكورين أفضل الرسل ، وقد ذُكر ضمير محمد صلى الله عليه وسلم قبلهم إيماء إلى تفضيله على جميعهم ، ثم جعل ترتيب ذكر البقية على ترتيبهم في الوجود.
ولهذه النكتة خص ضمير النبي بإدخال حرف (من) عليه بخصوصه ، ثم أدخل حرف (مِن) على مجموع الباقين فكان قد خصّ باهتمامين: اهتمام التقديم ، واهتمام إظهار اقتران الابتداء بضمير بخصوصه غير مندمج في بقيتهم عليهم السلام.
وسيجيء أن ما في سورة الشورى من تقديم {ما وصَّى به نوحاً على والذي أوحينا إليك} [الشورى: 13] طريق آخر هو آثر بالغرض الذي في تلك السورة من قوله تعالى: {شَرَع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم} الآية [الشورى: 13] .
وجملة {وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً} أعادت مضمون جملة {وإذ أخذنا من النبيئين ميثاقهم} لزيادة تأكيدها ، وليبنى عليها وصف الميثاق بالغليظ ، أي: عظيماً جليل الشأن في جنسه فإن كل ميثاق له عظَمٌ فلما وصف هذا بـ {غليظاً} أفاد أن له عظماً خاصاً ، وليعلّق به لام التعليل من قوله {لِيَسْأل الصادقين} .
وحقيقة الغليظ: القويّ المتين الخلق ، قال تعالى: {فاستغلظ فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] .
واستعير الغليظ للعظيم الرفيع في جنسه لأن الغليظ من كل صنف هو أمكنُه في صفات جنسه.
واللام في قوله {ليسأل الصادقين عن صدقهم} لام كي ، أي: أخذنا منهم ميثاقاً غليظاً لنعظّم جزاءً للذين يُوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ولنُشدِّد العذاب جزاءً للذين يكفرون بما جاءتهم به رسل الله ، فيكون من دواعي ذكر هذا الميثاق هنا أنه توطئة لذكر جزاء الصادقين وعذاب الكافرين زيادة على ما ذكرنا من دواعي ذلك آنفاً.