الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي [الْحَجِّ: 73 - 76] : {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ - مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
ثُمَّ قَالَ: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ - يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}
وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي [الْقَصَصِ: 69] {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ}
وَنَظِيرُ قَوْلِهِ فِي [الْأَنْعَامِ: 124] {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}
فَأَخْبَرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ عِلْمِهِ الْمُتَضَمِّنِ لِتَخْصِيصِهِ مَحَالَّ اخْتِيَارِهِ بِمَا خَصَّصَهَا بِهِ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهَا تَصْلُحُ لَهُ دُونَ غَيْرِهَا، فَتَدَبَّرِ السِّيَاقَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَجِدْهُ مُتَضَمِّنًا لِهَذَا الْمَعْنَى، زَائِدًا عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسُ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَذْكُورَةٌ عُقَيْبَ قَوْلِهِ: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ - فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ - فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ - وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}
فَكَمَا خَلَقَهُمْ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، اخْتَارَ مِنْهُمْ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، فَكَانُوا صَفْوَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، وَخِيرَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَانَ هَذَا الِاخْتِيَارُ رَاجِعًا إِلَى حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ لِمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ، لَا إِلَى اخْتِيَارِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَاقْتِرَاحِهِمْ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ.
[فَصْلٌ: في ذكر ما اختار الله من مخلوقاته]
[الِاخْتِيَارُ دَالٌّ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ]