الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَحْكِي عَنِ الْكُفَّارِ اقْتِرَاحَهُمْ فِي الِاخْتِيَارِ، وَإِرَادَتَهُمْ أَنْ تَكُونَ الْخِيَرَةُ لَهُمْ، ثُمَّ يَنْفِي هَذَا سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ، وَيُبَيِّنُ تَفَرُّدَهُ هُوَ بِالِاخْتِيَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزُّخْرُفِ: 31 - 32]
فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ تَخَيُّرَهُمْ عَلَيْهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَيْهِمْ، بَلْ إِلَى الَّذِي قَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمُ الْمُتَضَمِّنَةَ لِأَرْزَاقِهِمْ وَمُدَدِ آجَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَقْسِمُ فَضْلَهُ بَيْنَ أَهْلِ الْفَضْلِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ بِمَوَاقِعِ الِاخْتِيَارِ، وَمَنْ يَصْلُحُ لَهُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ، وَهُوَ الَّذِي رَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، وَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَدَرَجَاتِ التَّفْضِيلِ، فَهُوَ الْقَاسِمُ ذَلِكَ وَحْدَهُ لَا غَيْرُهُ، وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ بَيَّنَ فِيهَا انْفِرَادَهُ بِالْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ اخْتِيَارِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الْأَنْعَامِ: 124]
أَيِ: اللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يَصْلُحُ لِاصْطِفَائِهِ وَكَرَامَتِهِ وَتَخْصِيصِهِ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ دُونَ غَيْرِهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَمَّا اقْتَضَاهُ شِرْكُهُمْ مِنَ اقْتِرَاحِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ فَقَالَ: {مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}
وَلَمْ يَكُنْ شِرْكُهُمْ مُقْتَضِيًا لِإِثْبَاتِ خَالِقٍ سِوَاهُ حَتَّى نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ فِي غَايَةِ اللُّطْفِ.