لذلك نجد في حكمة الله تعالى ألاَّ يعطي الثمرة حلاوتها إلا بعد نُضْج بذرتها ، بحيث حين تزرعها بعد أكْلها تنبت مثلها ، ولو أُكلت قبل نُضْجها لما أنبتت بذرتها ، ولا نُقرض هذا النوع ؛ لذلك ترى الثمرة الناضجة إذا لم تقطفها سقطت لك على الأرض لتقول لك: أنا جاهزة .
لذلك نلحظ عندنا في الريف شجرة التوت أو شجرة المشمس مثلاً يسقط الثمر الناضج على الأرض ، ثم ينبت نباتاً جديداً ، يحفظ النوع ، ولو سقطت الثمار غير ناضجة لما أنبتت .
وكذلك الإنسان لا ينجب مثله إلا بعد نُضْجه ، وعندها يُكلِّفه الله ويسأله ويحاسبه . إذن: على الإنسان أنْ يسترجع فضل الله عليه حتى قبل أنْ يستدعيه إلى الوجود ، وأنْ يثق أن الذي يُكلِّفه الآن ويأمره وينهاه هو ربُّه وخالقه ومُربِّيه ، ولن يكلِّفه إلا بما يُصلحه ، فعليه أنْ يسمع ، وأنْ يطيع .
وقوله تعالى: {والآخرة ...} [القصص: 70] يعني: له الحمد في القيامة ، كما قال سبحانه: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [يونس: 10] فيحمد الله في الآخرة ؛ لأنه كان يمتعني في الدنيا إلى أمد ، ويمتعني في الدنيا على قَدْر إمكاناتي ، أما في الآخرة فيعطيني بلا أمد ، وعلى قَدْر إمكاناته هو سبحانه ، فحين نرى هذا النعيم لا نملك إلا أنْ نقول: الحمد لله ، وهكذا اجتمع لله تعالى الحمد في الأولى ، والحمد في الآخرة .
وقوله تعالى: {وَلَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] لأن الآخرة ما كانت إلا للحكم وللفصل في الخصومات ، حيث يعرف كلٌّ ما له وما عليه ، فلا تظن أن الذين آذوْك وظلموك سيُفِلِتون من قبضتنا .
{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] أي: للحساب ، وفي قراءة (تَرْجعون) لأنهم سيرجعون إلينا ويأتوننا بأنفسهم ، كأنهم مضبوطون على ذلك ، كالمنبه تضبطه على الزمن ، كذلك هم إذا جاء موعدهم جاءونا من تلقاء أنفسهم ، دون أن يسوقهم أحد .