الله: هو المعبود بحقٍّ ، وله صفات الكمال كلها ، وهو سبحانه {لا إله إِلاَّ هُوَ ...} [القصص: 70] وما دام هو وحده سبحانه ، فلا أحد يفتن عليه ، أو يستدرك عليه بشيء ، وسبق أن قال لهم: هاتوا شركاءكم لنفصل في مسألة العبادة علانية و (نفاصل) من صاحب هذه السلعة: أي يوم القيامة .
ومعنى: {الأولى ...} [القصص: 70] أي: الخَلْق الذي خلقه الله ، والكون الذي أعدَّه لاستقبال خليفته في الأرض: الشمس والقمر والنجوم والشجر والجبال والماء والهواء والأرض ، فقبل أنْ يأتي الإنسان أعدَّ الله الكونَ لاستقباله .
لذلك حينما يتكلم الحق سبحانه عن آدم لا يقول: إنه أول الخَلْق ، إنما أول بني آدم ، فقد سبقه في الخلق عوالم كثيرة ؛ لذلك يقول تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} [الإنسان: 1] أي: لم يكن له وجود .
وإعداد الكون لاستقبال الإنسان جميل يستوجب الحمد والثناء ، فقد خلق الله لك الكون كله ، ثم جعلك تنتفع به مع عدم قدرتك عليه أو وصولك إليه ، فالشمس تخدمك ، وأنت لا تقدر عليها ولا تملكها ، وهي تعمل لك دون صيانة منك ، ودون أن تحتاج قطعة غيار ، وكذلك الكون كله يسير في خدمتك وقضاء مصالحك ، وهذا كله يستحق الحمد .
وبعد أنْ خلقك الله في كون أُعِدّ لخدمتك تركك ترتع فيه ، ذرة في ظهر أبيك ، ونطفة في بطن أمك إلى أنْ تخرج للوجود ، فيضمك حضنها ، ولا يكلفك إلا حين تبلغ مبلغ الرجال وسِنّ الرشد ، ومنحك العقل والنضج لتصبح قادراً على إنجاب مثلك ، وهذه علامة النضج النهائي في تكوينك كالثمرة لا تخرج مثلها إلا بعد نُضْجها واستوائها .