ولك أن تتابع مظاهرة لجمع غفير من الناس ، يهتف كل منهم هتافاً ، أتستطيع أن تميز بين هذه الهتافات ، وأنْ تُرجع كلاً منها إلى صاحبها؟ هذا هو اللغز في الجهر والملحظ الذي فاتهم تدبُّره ، لذلك امتن الله علينا بعلمه للجهر من القول الذي لا نعلمه نحن مهما أوتينا من آلات فَرْز الأصوات وتمييزها .
لذلك يقولون: لا تستطيع أنْ تُحدِّد جريمة في جمهور من الناس ؛ لأن الأصوات والأفعال مختلطة ، يستتر كلٌّ منها في الآخر كما يقولون: الفرد بالجمع يُعْصَم .
ويقولون: الجماهير ببغائية ، كما قال شوقي في مصرع كليوباترا ، لما انهزموا في يوم (أكتيوما) وأشاعوا أنهم انتصروا ، لكن هذه الحيلة لا تنطلي على العقلاء من القوم ، فيقول أحدهم للآخر عن غوغائية الجماهير:
اسْمع الشَّعْبَ دُيُونُ ... كَيْفَ يُوحُون إليْهِ
مَلأ الجوَّ هتافاً ... بِحيَاتيْ قَاتليْهِ
أثَّر البهتانُ فيه ... وَانْطلى الزُّور عليْه
يَا لَهُ مِنْ ببغاء ... عقلُه في أُذُنَيْه
إذن: فَعِلْم الجهر هنا مَيْزة تستحق أنْ يمتنَّ الله بها ، كما يمتنُّ سبحانه بعلم السر .
وقال سبحانه {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ...} [القصص: 69] ليُطمئن رسول الله ؛ لأنه سبحانه ربه ، والمتولي لتربيته والعناية به ، يقول له: لا تحزن مما يقولون ، فأنا أعلم سِرَّهم وجهرهم ، فإنْ كنتَ لا تعرف ما يقولون فأنا أعرفه ، وسوف أخبرك به ، ألم يقل سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ ...} [المجادلة: 8] .
فأخبره ربه بما يدور حتى في النفوس ، كأنه سبحانه يقول لرسوله: إياك أن تظن أنني سأؤاخذهم بما عرفتَ من أفعالهم فحسب ، بل بما لا تعلم مما فعلوه ، ليطمئن رسول الله أنه سبحانه يُحصي عليهم كل شيء .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ ...} .