ويجوز {مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة ...} [القصص: 68] أي: المؤمنون ما كان لهم أنْ يعترضوا على قبول توبة الله على المشركين الذين آذوهم ، يقولون: لماذا تقبل منهم التوبة وقد فعلوا بنا كذا وكذا ، وقد كنا نود أن نراهم يتقلبون في العذاب؟
والحق تبارك وتعالى يختار ما يشاء ، ويفعل ما يريد ، وحين يقبل التوبة من المشرك لا يرحمه وحده ، ولكن يرحمكم أنتم أيضاً حين يُريحكم من شرِّه .
وقوله: {سُبْحَانَ الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68] أي: تعالى الله وتنزَّه عما يريدون من أنْ يُنزِلوا الحق سبحانه على مرادات أصحاب الأهواء من البشر ، ولو أن الحق سبحانه نزل على مرادات أصحاب الأهواء من البشر - وأهواؤهم مختلفة - لفسدتْ حياتهم جميعاً .
ألا ترى أن البشر مختلفون جميعاً في الرغبات والأهواء ، بل وفي مسائل الحياة كلها ، فترى الجماعة منهم في سنٍّ واحدة ، وفي مركز اجتماعي واحد ، فإذا توجَّهوا لشراء سلعة مثلاً اختار كل منهم نوعاً ولوناً مختلفاً عن الآخر .
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69)
ما تُكنُّ صدورهم أي: السر {يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى} [طه: 7] والسر: ما تركته في نفسك محبوساً ، وأسررْتَه عن الخَلْق لا يعرفه إلا أنت ، أو السر: ما أسررت به إلى الغير ، وساعتها لن يبقى سِراً ، وإذا ضاق صدرك بأمرك ، فصدر غيرك أضيق .
وإذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بأن علمه واسع يعلم السر ، فهو يعلم الجهر من باب أَوْلَى ؛ لأن الجهر يشترك فيه جميع الناس ويعرفونه . أما الأخفى من السر ، فلأنه سبحانه يعلم ما تُسِره في نفسك قبل أنْ يوجد في صدرك ، وهو وحده الذي يعلم الأشياء قبل أن توجد .