وقيل: الحرف الشرط؛ أي: من الناس من يعبد الله على شرط، والشرط هو قوله: {فَإِنْ أَصَابَهُ} وناله {خَيْرٌ} ؛ أي: دنيوي من الصحة والخصب والسعة {اطْمَأَنَّ} وثبت {بِهِ} ؛ أي: بذلك الخير في الدين، ولا يتزلزل عنه، ويرضى به. ومعنى اطمأن به ثبت على دينه، واستمر على عبادته أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه؛ أي: ثبت على ما كان عليه ظاهرًا لا باطناً، إذ ليس له اطمئنان المؤمنين الراسخين، والاطمئنان: السكون بعد الانزعاج. {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} ؛ أي: شيء يفتتن به، من مكروه يصيبه في نفسه أو أهله أو ماله، فالمراد بالفتنة: ما يستكرهه الطبع، ويثقل على النفس، كالجدري والمرض وسائر المحن، وإلا لما صح أن يجعل مقابلاً للخير؛ لأنه؛ أي: الخير أيضًا فتنة وامتحان، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} ولذلك قال بعضهم: وإنما لم يقل: وإن أصابه شرّ، مع أنه المقابل للخير؛ لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرًّا في نفسه، بل هو سبب القربة، ورفع الدرجة، بشرط التسليم والرضا بالقضاء {انْقَلَبَ} وانكبّ {عَلَى وَجْهِهِ} ؛ أي: ارتدّ ورجع إلى جهته وحالته وطريقته التي كان عليها أولًا، من الكفر. والانقلاب الانصراف والرجوع. والوجه بمعنى الجهة والطريقة، وقال في"بحر العلوم": انقلب على وجهه؛ أي: تحوّل عن الجهة التي أقبل إليها وهي الإسلام، فأنكب ورجع إلى ما كان عليه أوّلًا من الكفر، فـ {على} على هذا بمعنى عن؛ أي: والمعنى فإن أصابه رخاء وسعة في العيش، سكن واستبشر بهذا الخير والدين، فعبد الله، وإن أصابه شرّ وبلاء في جسمه، أو ضيق في معيشته .. ارتدّ ورجع إلى الكفر.
والثبات في الدين إنما يكون إذا كان الغرض منه إصابة الحق، وطاعة الرب، والخوف من عقابه، أما إذا كان المقصد منه الخير المعجّل، فإنه يظهر في السراء، ويختفى لدى الضراء، وهذا هو النفاق بعينه، كما يرشد إلى ذلك. قوله: في المنافقين {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ} وقوله: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} .